العوامل التي تقوي نور البصيرة
البصيرة هي قوّة نفسانية تكوّنت بإلاستعانة بالله و هي أن يرى صاحب البصيرة الحقائق ويرى المستقبل وغوامضه من وراء الظَواهر ما لا يراه غيرُه فتفتح أمامه آفاق العروج الی الکمالات و الخيرات و دفع الشرور. ومن يملك البصيرة یستطيع أن يميز الحقَ من الباطن ، ويسمع الأمور بالشكل الصحيح و يفکّر تفكيراً سليماً، کما قال أمير المؤمنين عليه السلام : «فإنّما البصير من سمع فتفكّر و نظر فأبصر و انتفع بالعبر ثمّ سلك جدداً واضحاً يتجنّب فيه الصرعة في المهاوي». (نهج البلاغة ، الخطبة رقم 153)
وتهدينا النصوص الشريفة الی العوامل التي تقوي نور البصيرة في الإنسان و من أهمها:
1- ذکر الله: وهو ذكر الكمال المطلق و الحقّ المبين و النور الذي ليس بعده نور و لا مثله نور و هو المطلق الذي لا شيء فوقه أو بكماله ؛ فبذكر الله يُبصرون أنَّ الشيطان يكيد بهم و يُحاول أن يُوقعهم في الخسران فيفارقونه و يفرّون من خبثه و مكره إلى الله و رحمته و هداه . قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَی جَعَلَ اَلذِّکْرَ جِلاءً لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ اَلْوَقْرَةِ وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ اَلْعَشْوَةِ» (نهج البلاغة، الخطبة رقم 222 )
2- التدبّر في القرآن: تلاوة القرآن و التدبر في آياته هي من عوامل البصيرة في التفکر العلوّي: قال (ع): «کِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ وَ تَنْطِقُونَ بِهِ وَ تَسْمَعُونَ بِهِ» (نهج البلاغة، الخطبة رقم 133)
3. التقوی: وهي مقدِّمةً لمعرفةُ الحقّ وروحًا للتعلّقُ به و الإذعان له و الاستجابة لمقتضاه و هذا منافٍ للجهل و الهوى و الطيش مما يُفسد جوَّ الرُّوح و يُعكِّر رؤية البصيرة و هو فاتح لطريق التبصُّر و مُلهِمٌ للرّشد و ممِدٌّ بالحكمة و منقٍّ لجوّ النفس من الظلمة. بيّن الإمام عليه السلام سمات المتقين و سالکي طريق الحق و البصيرة بأن: «عِبادَاللهِ اِنَّ مِنْ اَحَبَّ عِبَادِ اللَّهِ اِلَیهِ عَبداً اَعَانَهُ اِللهُ عَلَی نَفْسِهِ … قَدْ اَبْصَرَ طَریقَه و سَلَک سَبیلَهُ وَ عَرَفَ مَنَارَهُ و قَطَعَ غمارَه وَ اسْتَمْسَک مِنَ الْعُری بِاَوثَقِها و من الجِبَالِ بَاَمْتَنِها فَهُوَ مِنَ الْیقینِ عَلَی مِثْلِ ضُوءِ الشَّمْسِ» (نهج البلاغة، الخطبة رقم 87)
4. الإعتبار: قال أمیرالمؤمنین علی(علیه السلام) في الخطبة 82 نهج البلاغة: «وَ مَنْ اَبْصَرَ بِها بَصَّرَتْهُ وَ مَنْ اَبْصَرَ اِلَيْها اَعْمَتْهُ»
5- التفکر: إنّ فِكْرُ الإنسان إذا فُعّل أثمر و إذا عُطِّل هُدِر و خُسِر. تفعيله بالنظر في الآيات، آيات الأنفس و الآفاق و في دروس الحياة و الموت و الغِنى و الفقر و القوَّة و الضعف و تغيُّر الأحوال و ما تغنى به السَّماوات و الأرض و عجائب الخَلق من دلالات و ما ينتهي إليه النَّظر من دقائق الخلق و ما وراءَ ذلك من عظيم القدرة و إحاطة العلم و بالغ الحِكمة؛ هذا التفعيل و الإنتاج يمُدُّ البصيرةَ بالقوّة و الحيويَّة و يُوسِّعها و يفتح أمامَها الآفاقَ و يزيد في نفوذها. قال الإمام عليه السلام: «الفِکرُ یَهدِی» و «الفکرُ رُشدٌ» و «اَلفِکرُ یُنیرُ اللّبَّ». کما يعرف الحکمة فائدة التفکر و قال: «اَلفِکرُ یُفِیدُ الحِکمَة» (غررالحکم و دررالکلم، ج2، ص291)
فالبصيرة هي قدرة على الرؤية الصحيحة التي تساعد في تشكلّها عدة أمور؛ منها العقل و التجربة و التربية والعلم و الثقافة و صدق المجاهدة مع النفس و إصلاحها و التوبة و الزهد و التوسل الی الله بواسطة الأئمة والدعاء و مجاورة العلماء والتفقّه في الدّين و المعرفة بالزمان و أهله و تقوية الصلة بالله تعالى. اللهمّ و ثبّت في طاعتك نيّتي و أحكم في عبادتك بصيرتي.
(الصحيفة السجّاديّة، دعاء التوبة، رقم 31)
سیدة فاطمه قاسمی – سیدة سکینه ملکی – سیدة عاطفه حسینی حجازی